المعصية الخفية لا تضرّ إلا صاحبها.. والبحث والسعي والظنون ليست مسؤولية الهيئة
أكد مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ان المفجرين التكفيريين لا ينطلقون من علم أو دراسة علمية إنما هم مسخرون ولا يدرون عن أنفسهم.
جاء ذلك في رد المفتي على سؤال لأحد الحضور في اللقاء المفتوح الذي عقد مساء أمس الأول في جامع الدخيل بالرياض وأضاف الشيخ قائلا إن هؤلاء انقادوا بعدما غسلت أدمغتهم وغيرت عقولهم وغيبوا عن الواقع فتحركوا آليا بلا إرادة خاضعين لمن رباهم من أناس قد يكونون ربوا على الشر وزين لهم الباطل و استغلوا الضعفاء وخدعوهم وأعطوهم المال وكل هذه الأمور ما جاءت عن علم إنما جاءت من أجل الإفساد.
وحذر المفتي من دخول مواقع الانترنت التي تؤثر على فكر الفرد ما لم يكن محصنا.
مؤكدا على أهمية توعية الشباب الذي نشأ على الفطرة على يد أناس مشهود لهم بالإخلاص ليحصل تقويم الاعوجاج.
وفي رده على سؤال آخر حول الحوار مع أتباع الأديان الأخرى قال سماحته إن الواجب محاورتهم وان نسمعهم ما عندنا وإزالة الشبه عندهم.
وأكد المفتي إن الجهاد له ضوابط وشروط وليس مشروطا بالسلاح فعلينا أن نجاهد باللسان وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونجاهد بالمال والقلب.
مؤكدا أن الجهاد يحتاج إلى قوة البدن والاقتصاد والتعليم والثقافة إلا إن المهم هو إصلاح المجتمع.
وفي رده على سؤال لأحد رجال هيئة الأمر بالمعروف حول تتبع بعض أصحاب المنكرات في أماكن خفيتهم. قال: إن المعصية الخفية لا تضر إلا صاحبها وما عليكم إلا تغيير ما ظهر أو ما علم قطعيا أما مجرد السعي والظنون والبحث فليست مسئوليتكم.
مؤكدا أن أهل الشر لابد أن يكشف أمرهم كما أكد على أهمية نقد الفكر دون التعرض للأشخاص.
نشر في صحيفة "الرياض" الصادرة بتاريخ 2/5/1429هـ مقال للكاتب: عبد المحسن الضبعان بعنوان: "هيفاء وهبي في البحرين ثم ماذا" جاء فيه أن الفنانة هيفاء جاءت وغنت ثم رحلت بسلام ولم يصب هذا البلد الجميل لا بكارثة ولا بإعصار (كاترينا) ولا إعصار هيفاء كما صوره المعارضون والرافضون - هكذا قال الكاتب ونسي قول الله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده) (الحج: 47) وقوله تعالى عن المنافقين: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير) (المجادلة: 8) فعذاب الله حاصل إذ لم يعف الله حاصل في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما جميعاً قال تعالى: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوَأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) (الأعراف 97- 99)
ألم ير الكاتب ولم يسمع ما يحل بالأقطار المجاورة من زلازل مروعة وحروب مدمرة وأعاصير هائلة حتى قال بسخرية ان الفنانة جاءت وغنت ثم رحلت بسلام ولم يصب البلد بكارثة.
إن عذاب الله أيها الكاتب إذا لم يصب الأبدان فإنه يصيب القلوب ألم تقرأ قول الله تعالى: (أوَلم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون) (الأعراف: 100) أين الأمم التي قالت كل أمة منها لرسولها على وجه التحدي: (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) (العنكبوت: 29) (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) (الأعراف: 70) ألم يأتها ما وعدت فهلكت عن آخرها ولم يبق إلا مساكنهم: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) (النمل: 52).
(فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا) (القصص: 58).
ألم يعلم الكاتب أن الله سبحانه يمهل ولا يهمل وأنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
(وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (هود: 102)
ثم ينكر الكاتب على أهل الخير الذين حذروا بلادهم من فتنة هذه المرأة القادمة لما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة حيث قال: (هيفاء وهبي أحيت حفلها في المنامة مساء الأربعاء الماضي رغم المعارضة الشديدة من قبل عدد قليل من النواب البحرينيين الذين يريدون فرض وصايتهم على كل شيء).
ربما - لأهداف معينة أو ربما لوجه الله تعالى - هكذا يتبجح بما فعلته هذه المرأة في حفلها من المنكر المعلن وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها ومن أمثالها.
فقال عليه الصلاة والسلام: (واتقوا النساء فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) فماذا على أهل الخير إذا حذروا مما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم وعملوا بقول الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104).
والحمد لله أن الكاتب اعترف بما في عمل هذه المرأة وأمثالها من المنكرات والشرور.
فقال: (نعم قد تكون هذه الفنانة وغيرها من فنانات الجنس الغنائي ممن لدينا عليهن بعض الملاحظات ولكن تضخيم المسألة وجعلها كأنها إهانة للشعب وحرب على الأخلاق وغزو فكري غاشم هي محض خيالات وأوهام يريد بها المعارضون فرض أهوائهم ونسوا أن للناس أيضاً - أهواء شتى تختلف عنهم - نقول له المسألة ليست مسألة أهواء وإنما هي نصيحة والأهواء مذمومة قال تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) (المؤمنون: 71).
فالواجب اتباع الحق وقبول النصيحة ولو خالفت الأهواء لما في ذلك من العواقب الحميدة.
والشر وإن كان يسيراً في بدايته فإنه يتطور وعواقبه وخيمة فلا يستهان به ولا تؤمن عواقبه الوخيمة على المجتمع والأفراد.
وفق الله الجميع لمعرفة الحق والعمل به ومعرفة الباطل ومخالفته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الشيخ د. صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
في المملكة العربية السعودية
-------
شبكة الرد ـ السبت 24 جمادى الآخرة 1429هـ الموافق 28/6/2008م شبكةالرد
(تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة (افعل ولا حرج)
للشيخ عبد المحسن العباد
قال الشيخ المحدث عبدالمحسن العباد حفظه الله معلقا على بعض الفتاوى الخاطئة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره,ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا,من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد,فقد اطلعت على رسالة توسَّع كاتبها في التيسير في أعمال الحج,سماها ((افعل ولا حرج)), استكثر فيها من التقريظات لها حتى أوشكت أن تساوي حجمها؛ إذ بلغت التقريظات اثنتين وأربعين صفحة من جملة صفحاتها البالغة اثنتين ومائة صفحة, ومن اطمأن إلى كتابته لا يحتاج إلى الاستكثار من التقريظات.
وقد رأيت التنبيه على أمور فيها نصحاً لكاتبها ولغيره ممن يطلع عليها:
التسمية باسم(الإسلام اليوم) تسمية غيرسليمة
الأول: ذكركاتبها أنها نشرت في موقع ((الإسلام اليوم)) وفي بعض الصحف السيارة, ووضع على غلاف الرسالة(16كتاب الإسلام اليوم), وهذه التسمية عجيبة غريبة؛فإن الإسلام هو الإسلام: اليوم وبالأمس وغداً, ولايختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ,ولاشك أن الحق والهدى في كل زمان ومكان فيما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, قال الإمام مالك رحمه الله(لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها)) عزاه إليه القاضي عياض في الشفا (2/72) وابن تيمية في مجموع الفتاوى (1/231), وذكر الشاطبي في الاعتصام (1/28) أن ابن الماجشون قال: سمعت مالكاً يقول: ((من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛لأن الله يقول:{اليوم أكملت لكم دينكم}, فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً )), وما أجمل هذه الكلمة للإمام مالك رحمه الله,وهي قوله : (فمالم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً)), والمعنى أن ما لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يكون ديناً إلى قيام الساعة. وهذه الكتابة المسماة ((افعل ولاحرج)) هي الكتاب السادس عشر من كتب ماسُمي ((الإسلام اليوم)), وقد اشتملت على تهوين أمر المسائل الخلافية في الحج وانتقاء منها مافيه ترخيص وتيسير غيرمنضبط ولو كان مرجوحاً أوشاذاً, وهي من التجديد غير السديد.
توسعة في الاستدلال بحديث(( افعل ولاحرج)).
الثاني: قال الكاتب (ص:63): ((ومع هذا جعل الله في الحج سعة لاتوجد في غيره من العبادات, ومن هذا ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه,فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: اذبح ولا حرج, فجاء آخر فقال:لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج,فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شئ قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: افعل ولاحرج), وهكذا يحسن أن يكون شعار المفتي فيما لا نص فيه أو في جنس ما أفتى به النبي صلى الله عليه وسلم: افعل ولا حرج)).
وأقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بأعمال يوم النحر الأربعة: الرمي,ثم النحر,ثم الحلق,ثم الطواف,وقد حصل من بعض الصحابه رضي الله عنه فعل بعضها على خلاف ترتيبه, فسألوه فأجابهم بأن لاحرج, وجاء في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن ذلك يوم النحر, وأنه ما سُئل عن شئ يومئذ إلا قال ((لا حرج)), وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه ما يدل على أن ذلك كان في مساء يوم النحر, فقد روى البخاري في صحيحه (1735) عن ابن عباس قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل يوم النحر بمنى, فيقول: لا حرج, فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج, قال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: لا حرج)), وروى البخاري (1737) عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه ((أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم النحر, فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا, ثم قام آخر فقال: كنت أحسب كذا قبل كذا: حلقت قبل أن أنحر؟ نحرت قبل أن أرمي؟ وأشباه ذلك, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : افعل ولا حرج, لهن كلهن,فما سُئل يومئذ عن شئ إلا قال: افعل ولا حرج)), ورواه مسلم (3163) ولفظه: (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة, فقال: يا رسول الله ! إني حلقت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج, وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي؟ قال:ارم ولاحرج,وأتاه آخر فقال : أني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي ؟ قال:ارم ولا حرج, قال: فما رأيته سُئل يومئذ عن شئ إلا قال: افعلوا ولاحرج)), فهذا الحديث عن عبدالله ابن عمرو رضي الله عنه في الصحيحين فيه أن تلك الأسئلة حصلت يوم النحر عن تقديم وتأخير في أعمال يوم النحر, ولهذا قال: ((فما سُئل يومئذ)) أي يوم النحر, وهذا يخالف ما أطلقه الكاتب في قوله: (( وهكذا يحسن أن يكون شعار المفتي فيما لانص فيه أو في جنس ما أفتى به النبي صلى الله عليه وسلم: افعل ولاحرج))!! فركعتا الطواف محلهما بعد الطواف ولا يجوز تقديمهما عليه, وترتيب رمي الجمرات في أيام التشريق رمي الأولى ثم الوسطى ثم العقبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها في أيام التشريق الثلاثة على هذا الترتيب, ولايقال لمن خالف هذا الترتيب فرمي العقبة ثم الأولى ثم الوسطى: لا حرج, بل عليه أن يعيد رمي الوسطى ثم العقبة مادام في أيام التشريق, وإن لم يُعد رميها فيها فعليه دم.
ولا عبرة بقول من قال بإجزاء رمي من خالف ترتيبه صلى الله عليه وسلم لرمي الجمرات؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رماها على هذا الترتيب في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة, ولو كان غير هذا الترتيب سائغاً لفعله صلى الله عليه وسلم في يوم واحد من الأيام الثلاثة, وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) رواه مسلم (3137), وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (صلّوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري (631), وعلى هذا فإن المطلوب من المفتي أن يكون شعاره أن يقول للسائل: أتبع سنّة نبيك صلى الله عليه وسلم وافعل كما فعل, ولا يرد على ذلك أن جملة من أعمال الحج من المستحبات,كتقبيل الحجر واستلامه واستلام الركن اليماني وصلاة ركعتين خل المقام بعد الطواف وغير ذلك؛ لأن رمي الجمرات على ترتيبه صلى الله عليه وسلم هو المطابق لفعله صلى الله عليه وسلم المتكرر في أيام التشريق الثلاثة.
وتسميته هذه الكتابة باسم (( افعل ولا حرج)) واضح في توسعه في الاستدلال بحديث (( افعل ولا حرج)), وأنه يشمل الأخذ بما جاء في هذه الكتابة من أقوال مرجوحة أوشاذة.
زعمه أن السنّة المحمدية تجمع التيسيرات المتفرقة في كتب الفقه
الثالث: قال الكاتب (ص:64): (والسنّة المحمدية تجمع التيسيرات التي تفرقت في كتب الفقه, فإن من العلماء من يأخذ بهذه الرخصة ولا يأخذ بالأخرى, ومنهم من يأخذ بغيرها ويدع هذه, بينما السنّة وسعت ذلك كله).
وأقول: إن هذا الكلام عجيب غريب؛ فالسنّة لا تسع ما جاء عن الفقهاء من تيسير أو تشديد, بل إن ماجاء عن الفقهاء يُعرض على الكتاب والسنّة, فما وافقهما أُخذ به وعُوِّل عليه, وما خالفهما تُرك واُعرضَ عنه, ومن أقوال الفقهاء ما يكون شاذاً غير مستند إلى دليل, بل يكون مبنياً على الرأي المجرد, ولهذا يذكر العلماء في تراجم بعض الرواة أنه عيب عليه الإفتاء بالرأي, مثل عثمان بن مسلم البتي , قال عنه الحافظ في التقريب : ( عابوا عليه الإفتاء بالرأي), قال الإمام الشافعي كما في كتاب الروح لابن القيم (ص:395): ( أجمع الناس على أن من استبانت له سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد), ومن كان من الفقهاء من أهل الإجتهاد فاجتهد للوصول إلى الحق فهو مأجور إن أصابه أو أخطأه مع تفاوت المصيب والمخطئ في الأجر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران,وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) رواه البخاري (7352) ومسلم (1716) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه, وهذا الحديث يدل على أنه ليس كل مجتهد مصيباً الحق, بل يدل على إصابته الأجر, ولو كان كل مجتهد في اختلاف التضاد مصيباً حقاً لم يكن لتقسيم المجتهدين في هذا الحديث إلى مصيب ومخطئ معنى, وعلى هذا فمن العجب أن يقال : إن السنّة وسِعت تيسيرات الفقهاء مع ما عُلم من أن أقوالهم فيها الصواب والخطأ, وهي قاعدة من الكاتب ليس لها قاعدة, وهي من التجديد غير السديد.
توهينه حديث الحج عن شبرمة
الرابع: قال الكاتب ( ص:65): ( وقد ينوي الحج عن غيره فيقع عنه هو, كمن نواه عن فلان وهو لم يؤد الفريضة, وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة, قال من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي, قال حججت عن نفسك؟ قال: لا! قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة, وفي مسألة الحج عن الغير قبل النفس خلاف مشهور). وقال في الحاشية في تخريج الحديث: ( أخرجه أبو داود (1811) وابن ماجه ( 2903), وفي الحديث نظراً والأقرب أنه موقوف)).
وأقول: اشتمل كلامه على توهين الحديث مع استدلاله به, وهوحديث صحيح لغيره أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (ص:226) عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: (( سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة, فقال: حججت؟فقال: لا! فقال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)) ورجاله ثقات إلا عبدالرحمن بن خالد الرقي, قال عنه النسائي: لابأس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ في التقريب: صدوق, فإسناد الحديث حسن, وقد أورد الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في إرواء الغليل (994) طرقاً أخرى يكون بها صحيحاً لغيره, وصححه الألباني ونقل تصحيحه عن البيهقي وابن الملقن وابن حجر, وصححه أيضاً العراقي في شرح أول حديث من كتاب طرح التثريب في شرح التقريب (2/17), وما دام هؤلاء العلماء صحّحوه فلا يضيره توهين الكاتب إياه.
الخامس: قال الكاتب (ص:66): (وكذلك التوسعة في لبس الإزار ولو كان مخيطاً, لكن ليس على هيئة السراويل, بل تخاط تكة ويرسل دون أن يُفصل منه كم آخر, وقد حكي ابن تيمية الإجماع على جوازه )), وقال في الحاشية: ( التكة: رباط السراويل , لسان العرب( 10/406) ).
وأقول: هذا اللباس الذي ذكره له شبه بالسراويل من جهة أن كلاً منهما يُدخل فيه المحرم رجليه وهو من الألبسة المعتادة لبعض الناس, وهو بخلاف الإزار في الإحرام الذي يَلفه المحرم على نصفه الأسفل , وهو الموافق لما في القاموس المحيط حيث فسر الإزار بالملحفه, وما عزاه إلى ابن تيمية رحمه الله من الإجماع على جوازه في ثبوته عنه نظر, ولم يذكر موضعه في شئ من كتبه حتى يُرجع إليه للتوثيق من النسبة إليه, ولو كان في ذلك إجماع لما احتاج أهل العلم إلى ذكر ربط الإزار وشده بشيء حتى لايسقط, وإن كان يريد بهذا الذي عزاه إلى ابن تيمية مانقله عنه في (ص:68) وهو قوله: (وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة : إن فتق السراويل يجعله بمنزلة الإزار, حتى يجوز لبسه مع وجود الإزار بالإجماع) فغير مسلَّم وهي مسألة أخرى؛لأن فتق السراويل إخراج لها عن هيئة السراويل؛ حيث تكون بعد الفتق مثل الإزار الذي يلفه الإنسان على نفسه.
تشكيكه في نسبة القول بوجوب التمتع إلى ابن عباس
السادس : قال الكاتب (ص:75): (وقد ذهب الشيخ الألباني رحمه الله تعالى إلى وجوب التمتع, ونسبه لابن عباس رضي الله عنه وغيره,ولا أراه يصح عن ابن عباس أنه يقول بالتحريم على وجه الإطلاق ,وهو لايرى العمرة للمكي, ومعناه أن المكي لا يتمتع).
وأقول: وجوب التمتع مشهور عن ابن عباس رضي الله عنه , عزاه إليه ابن القيم في زاد المعاد (2/143) فقال ( ولا يوحشك قلة القائلين بوجوب ذلك ؛فإن فيهم البحر الذي لاينزف عبدالله بن عباس, وجماعة من أهل الظاهر, والسنّة هي الحكم بين الناس , والله المستعان ), وفي صحيح مسلم (3018) عن قتادة قال: سمعت أبا حسان الأعرج قال ( قال رجل من بني الهجيم لابن عباس :ما هذه الفتيا التي قد تشغفت أو تشغبت بالناس: أن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سنّة نبيكم صلى الله عليه وسلم وإن رغمتم), وقد أورده ابن القيم (2/185), وقال عقبه ( وصدق ابن عباس , كل من طاف بالبيت ممن لا هدي معه من مفرد أو قارن أو متمتع فقد حل إما وجوباً, وإما حكماً, هذه هي السنّة التي لا راد لها ولا مدفع), وقال ابن القيم (2/186): (وقال عبدالرزاق : حدثنا معمر, عن قتادة, عن أبي الشعثاء , عن ابن عباس قال: من جاء مهلاً بالحج فإن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أو أبى , قلت : إن الناس ينكرون ذلك عليك؟ قال: هي سنّة نبيهم وإن رغموا)).
وهذا إسناد صحيح, ومذهب الجمهور- وهو الصواب- استحباب التمتع لا وجوبه؛ لأن الخلفاء الثلاثة أبابكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كانوا يهلون بإفراد الحج ولو فهموا أن التمتع واجب ما عدلوا عنه إلى غيره, ويدل لبقاء حكم الإفراد والقران إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه الصلاة والسلام إذا نزل من السماء في آخر الزمان يهل بأحد الأنساك الثلاثة , ففي صحيح مسلم (3030) عن حنظلة الأسلمي قال: سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (والذي نفسي بيده ! ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجاً أومعتمراً أوليثنينهما).
زعمه أن على المفتي مراعاة أحوال الناس وإدراك اختلافهم وتنوع مشاربهم ومذاهبهم
السابع : قال الكاتب(ص:76) : ( وعلى المفتي أو طالب العلم أن يراعي أحوال الحجاج , وأن يجعل شعاره كما سبق ( افعل ولا حرج) طالما أن في الأمر سعة ورخصة, كما أن على المفتي أن يدرك اختلاف الناس وتنوع مشاربهم ومذاهبهم وأقوال المفتين لديهم, وحملهم على قول واحد أو مذهب واحد متعسّر بل متعذر, وسعة الشريعة لا تحكم لضيق هذا المذهب أو ذاك في بعض الفروع والمسائل).
وأقول: هذا الكلام شبيه بكلامه المتقدم في التنبيه الثالث وهو عجيب غريب؛ فإن الذي على المفتي مراعاته أنه إذا تبين له الدليل أخذ به وأفتى به, ولا يجوز له مخالفة لقول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً} الأحزاب36, وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور63، وقال: {ما أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ( الحشر7 وقال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } آل عمران31 قال ابن كثير في تفسير آية النور: ( فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله, فما وافق ذلك قبل, وماخالفه فهومردود على قائله وفاعله كائنا من كان).
وقال في تفسير آية آل عمران ( هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله, كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ).
وتقدّم قول الشافعي رحمه الله : ( أجمع الناس على من استبانت له سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد).
وقال ابن خزيمة كما في الفتح (3/95): (ويحرم على العالم أن يخالف السنّة بعد علمه بها).
ورجوع طالب العلم إلى كتب الفقه والوقوف على أقوال العلماء للاستعانة بما فيها للوصول إلى الحق أمر مطلوب مع لزوم احترام العلماء وتوقيرهم وذكرهم بالجميل اللائق بهم دون إفراط أو تفريط, وإذا تبين له الدليل لم يعدل عنه إلى غيره, كما قال ابن القيم في كتاب الروح(ص:395) بعد كلام له: (ومن هنا يتبيّن الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال, وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه, فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلبٍ لدليله من الكتاب والسنّة, بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه ويقلده به, ولذلك سمي تقليداً , بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه, فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول, فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره, فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى).
وليس للمفتي أن يعرف مذاهب الحجاج ليفتيهم بها, وإنما يجب عليه أن يفتي بما يظهر له أنه الحق وفقاً للدليل , قال ابن القيم في إعلام الموقعين (4/211): (لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح, ولا يعتد به بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولاً قاله إمام أو وجهاً ذهب إليه جماعة , فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال وفق إرادته وغرضه عمل به, فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح , وهذا حرام باتفاق الأمة.....) إلى أن قال: ( وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخيير وموافقة الغرض...)).
وروى ابن عبدالبر في كتابه جامع بيان العلم وفضله (2/91) عن سليمان التيمي أنه قال: (إذا أخذْت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله), قال ابن عبدالبر : ( هذا إجماع لاأعلم فيه خلافاً), ومع هذا الكلام المخيف لسليمان التيمي رحمه الله الذي قال عنه ابن عبدالبر إنه إجماع لاخلاف فيه, نجد أن الكاتب لم يكتف بالتأكيد على الأخذ برخص الفقهاء, بل أضاف إلى ذلك نسبته إلى السنّة المحمدية, وأنها تجمع وتسع هذه الرخص, فصارت الحال كما قيل : ( أحشفاً وسوء كيلة), وهو مثل يضرب للجمع بين خصلتين ذميمتين.
والمفتي لا يحمل الناس على الأخذ بمايفتي به,وإنما القاضي هو الذي يحملهم على مايقضي به, وهذا هو الفرق بين الإفتاء والقضاء, فإن الإفتاء إخبار بالحق من غير إلزام به, والقضاء هو الإخبار بالحق مع الإلزام به.
ويكون شعار المفتي ( افعل ولاحرج) فيما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : افعل ولاحرج, وقدجاء ذلك عنه صلى الله عليه وسلم في عدّة أمور سُئل عنها يوم النحر, فأجاب بقوله (لا حرج), وبقوله: ( افعل ولاحرج)), وهي الحلق قبل الذبح, والذبح قبل الرمي, والحلق قبل الرمي, وطواف الإفاضة قبل الرمي, والرمي في المساء,والسعي قبل الطواف ومثلها الطواف قبل النحر والطواف قبل الحلق, ولايعدى هذا الحكم إلى الأعمال الأخرى, كتقديم ركعتي الطواف على الطواف, وتقديم رمي جمرة العقبة على رمي الوسطى ورمي الوسطى على رمي الأولى ؛لأنه خلاف فعله صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق الثلاثة وتقدّمت الإشارة إلى ذلك في التنبيه الثاني.
زعمه التيسير في أركان الحج وأن المتفق عليه منها اثنان
الثامن: قال الكاتب (ص: 77) تحت عنوان التيسير في أركان الحج: (اتفق العلماء على أن للحج ركنين هما: الوقوف بعرفة والطواف, واختلفوا في غيرها).
وأقول: أركان الحج أربعة , وهي: الإحرام, والوقوف بعرفة, وطواف الإفاضة, والسعي بين الصفا والمروة, والسعي, وبعض الفقهاء يعتبر الإحرام وهو نية الدخول في النسك شرطاً, فالإحرام سواء سمي ركناً أو شرطاً والطواف والوقوف بعرفة متفق عليها, والسعي بين الصفا والمروة مختلف فيه, والإحرام هو نية الدخول في النسك فلا يكون محرما ًإلا بنية الدخول في الحج والعمرة؛لقوله صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري (1) ومسلم(4927), وركن الإحرام في الحج والعمرة مثل ركن تكبيرة الإحرام في الصلاة؛ فإن الصلاة يدخل فيها بتكبيرة الإحرام, والحج والعمرة يدخل فيهما بالإحرام بهما, وقيل لنية الدخول في الإحرام إحراماً لأنه يحرم بعد الإحرام أمور كانت حلالاً قبل الإحرام وهي التي يطلق عليها محظورات الإحرام, وسميت تكبيرة الإحرام بذلك لأن في الإتيان بها يحرم على المصلي أمور كانت حلالاً له قبل ذلك,كالأكل والشرب والكلام وغير ذلك,ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : (مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير, وتحليلها التسليم) وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود (618) وغيره, وانظر إرواء الغليل(301).
ومذهب جمهور العلماء أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج والعمرة, ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! اسعوا؛ فإن السعي قد كتب عليكم) رواه الدارقطني (2/255) من طريق البيهقي (5/97), ورجال الدارقطني ثقات, إلا معروف بن مشكان وقد قال فيه ابن حجر في التقريب: (صدوق), فإسناد الحديث حسن, وحسّنه النووي في المجموع (8/82), وصحّحه المزي وابن عبدالهادي, انظر إرواء الغليل للشيخ الألباني رحمه الله (1072), وفيه أيضاً ذكر طرق أخرى للحديث غير هذا الطريق, وقالت عائشة رضي الله عنها: ( ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته ما لم يطف بين الصفاء والمروة)) رواه البخاري(1790) ومسلم (3080), ولفظ الأثر عند ابن جرير في تفسير آية البقرة قالت: (لعمري! ما حج من لم يسع بين الصفا والمروة لأن الله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ} ) وإسناده على شرط البخاري ومسلم.
تنويهه بإجزاء الوقوف بعرفه جوّاً
التاسع: قال الكاتب عن الوقوف بعرفة (ص:77): (وهذا الركن يحصل أداؤه بلحظة, حتى إن من العلماء من قال: ولو مرَّ بأجواء عرفة بالطائرة أجزأه)
وأقول: لا أدري وجه إيراد الكاتب هذا القيل؟! هل المراد منه التيسير على الحجاج في الوقوف بعرفه جوّاً؟! وهو من التكلف الذي كان الكاتب في غنية عنه, ولو تأتّى للطائرين المستعجلين بناءً على هذا التيسير الوقوف بعرفة جوّاً, فكيف يتأتى لهم مثل ذلك في طواف الإفاضة؟!.
العاشر: قال الكاتب ( ص: 77): (ولو دفع قبل الغروب أجزأه عند الأئمة, خلافاً لمالك, قال ابن عبدالبر: لانعلم أحداً من أهل العلم وافق مالكاً على هذا. وبعضهم يقول : عليه دم , والأقرب أنه لا شئ عليه , الدليل: حديث عروة بن مضرس الطائي رضي الله عنه قال: ( جئت يارسول الله من جبل طيء, أكللت مطيتي وأتعبت نفسي, والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه, فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أدرك معنا هذه الصلاة, فأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً , فقد تمّ حجه وقضى تفثه. فهذا دليل على أن الحاج لو دفع قبل الغروب فلا شئ عليه ).
وأقول: من وقف بعرفه نهاراً وجب عليه البقاء فيها إلى غروب الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقفوا كذلك, ففي حديث جابر رضي الله عنه ( فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص) رواه مسلم (2950), وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( لتأخذوا عني مناسككم؛فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ) رواه مسلم (3137) عن جابر, ولم يرخص لأحد بالانصراف من عرفة قبل الغروب, وقد جاء عنه الترخيص بالانصراف من مزدلفة للنساء والضعفة ومن في حكمهم في آخر الليل قبل انصرافه صلى الله عليه وسلم إلى منى, قال ابن قدامه في المغني (5/273): وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم) وسمى بعضهم, وحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه لا يدل على جواز الانصراف من عرفة قبل غروب الشمس ممن وقف بها نهاراً وأنه لاشيء عليه, وإنما يدل على إجزاء وقوف من وقف بها ليلاً أونهاراً.
زعمه أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة
الحادي عشر: قال الكاتب (ص:81): (وقد نص النووي وجماعة أنه لو نسي الإفاضة وطاف للوداع من غير نية الإفاضة, أو بجهل بوجوب الطواف أجزأه طوافه عنهما, وهذا حسن وهو من التيسير والرخصة).
وأقول: من كان جاهلاً لا يميز بين ركن وواجب ومستحب وحج كما يحج الناس فحجه صحيح, وأما من طاف للوداع وعليه طواف الإفاضة وقد نسيه فإن الوداع لا يجزي عن الإفاضة؛ لأن الإفاضة ركن في الحج ولم ينوه, وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات), ولو طاف للإفاضة وسافر عقبه أجزأ عن الوداع؛ لأن آخر عهده البيت, وهو مثل من كان عليه جنابة يوم الجمعة واغتسل للجنابة فإنه يجزئه عن غسل الجمعة, أما إذا اغتسل للجمعة ناسياً أن عليه جنابة فإنه لا يجزئه عن غسل الجنابة؛ لأنه لم ينوه, فكذا من طاف للوداع وعليه طواف الإفاضة فإنه لايجزئ عن الإفاضة, وما ذكره النووي رحمه الله بيّن أنه قول الشافعية,ثم ذكر عن غيرهم أن الوداع لايجزئ عن الإفاضة فقال: (وقال أبو حنيفة وأكثر العلماء: لا يجزي طواف الإفاضة بنية غيره) شرح صحيح مسلم (8/193).
زعمه عدم اشتراط الطهارة للطواف
الثاني عشر: قال الكاتب(ص:81) ( وهل تشترط الطهارة للطواف؟ الجمهور يوجبونها من الحدث الأصغر والأكبر, وأجاز أبو حنيفة الطواف على غير طهارة, وهو رواية عن الإمام أحمد , واختار ابن تيمية وابن القيم عدم شرطية الطهارة, وهو ماكان يفتي به الشيخ ابن عثيمين رحمه الله).
وأقول: يدل لقول الجمهور في اشتراط الطهارة في الطواف أدلة وهي:
أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طاف في حجه وعمره على طهارة وبعد الطواف صلى خلف المقام ركعتين.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه, فلا يتكلمن إلا بخير) أخرجه الترمذي (960) عن ابن عباس, وإسناده صحيح إلا أن جرير بن عبدالحميد ممن روى عن عطاء بن السائب بعد الاختلاط, وهذا لا يؤثر لأن الحاكم رواه في المستدرك (1/459) من طريق سفيان الثوري عن عطاء بن السائب وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط, ورواه النسائي(2922) من طريق أخرى عن رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: ( الطواف بالبيت صلاة, فأقلوا الكلام ) وإسنادها صحيح.
وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر, فحاضت صفية, فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله, فقلت: يا رسول الله! إنها حائض, قال:حابستنا هي؟ قالوا : يارسول الله! أفاضت يوم النحر, قال: اخرجوا) رواه البخاري (1733) ومسلم ( 3223), فقوله: ( حابستنا هي؟) أي حابستنا في مكة حتى تطهر وتطوف طواف الإفاضة؟.
وحديث عائشة أنها أحرمت بعمرة مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع, فجاءها الحيض حتى خرج الناس من مكة للحج وهي لم تطهر,فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج مع عمرتها وتكون بذلك قارنة, وقال صلى الله عليه وسلم : (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لاتطوفي بالبيت حتى تطهري) رواه البخاري (305) ومسلم ( 2919).
وأما قول الكاتب (ص:82): (( وهذا الحديث ليس نصاً في اشتراط الطهارة)) فالجواب أن الحديث واضح في منع الحائض من الطواف قبل طهرها, قال الحافظ في الفتح (3/505) في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (حتى تطهري) : ( وهو بفتح التاء والطاء المهملة المشدّدة وتشديد الهاء أيضاً, أو هو على حذف إحدى التاءين وأصله: تتطهري, ويؤيده قوله في رواية مسلم: حتى تغتسلي, والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل؛لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد, وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته, وفي معنى الحائض الجنب والمحدث وهو قول الجمهور). واختيار الكاتب عدم اشتراط الطهارة في الطواف جريٌ على طريقته في انتقاء مافيه تيسيرمن الأقوال ولو كان مرجوحاً.
زعمه إجزاء الرمي إذا وقع حول الأحواض
الثالث عشر: قال الكاتب (ص:85): (موضع الرمي هو مجتمع الحصى الذي تتكوم فيه الجمار, سواء الحوض أو مايحيط به مما تكون فيه الأحجار... وهنا يقول الإمام السرخسي الحنفي: ( فإن رماها من بعيد فلم تقع الحصاة عند الجمرة, فإن وقعت قريباً منها أجزأه؛ لأن هذا القدرمما لايتأتى التحرز عنه, خصوصاً عند كثرة الزحام, وإن وقعت بعيداً منها لم يجزه), وهذا الكلام نفيس, خصوصاً في هذه الأيام التي تحول رمي الجمار فيها مشكلة عويصة...).
وأقول: إن قول الكاتب بدخول ما يحيط بالأحواض في موضع الرمي غير صحيح؛ لأن الناس في رميهم يقفون عند الأحواض, وإذا رمى الحاج من كان بعيد ولم يصل الحصى إلى الحوض بل وقع فيما يحيط به فإن الحصى يقع على الحجاج الذين حول الأحواض, وفي ذلك مفسدتان, إحداهما: تعريض الحاج لعدم صحة رميه, والثانية: حصول الأذى للحجاج القريبين من الأحواض لوقوع الحصى عليهم, والذي على الحاج عند رمية أن يتحقّق أن رميه وقع في هذه الأحواض يقيناً إن كان قريباً من الأحواض, أو يغلب على ظنّه أن رميه وقع فيها إذا رمى من مكان ليس بقربها, والظاهر أن ما جاء في كلام السرخسي من صحّة الرمي إذا كان قريباً من الجمرة أن ذلك في حدود مساحة الأحواض, والكاتب يعلم أن الأحواض إلى وقت قريب كانت صغيرة وتمتلئ بالحجارة فتفرَّغ, وبعد ذلك وُضعت الأحواض على شكل واسع تُرمى فيه الحجارة فتتدحرج حتى تسقط في موضع الرمي وتستقر في مكان في السفل, ومع توسيع هذه الأحواض فإن تجويز الكاتب وقوع الرمي خارجها ولو كان قريباً منها غير سديد؛ لما فيه من تعرُّض من اغتر بقوله أن يرمي رمياً غير صحيح.
زعمه أن للحاج أن يرمي قبل الزوال أيام التشريق
الرابع عشر: قال الكاتب (ص:90): (وله أن يرمي قبل الزوال في سائر الأيام, وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنه وقول طاوس وعطاء في إحدى الروايتين عنه ومحمدالباقر, وهو رواية غير مشهورة عن أبي حنيفة, وإليه ذهب ابن عقيل وابن الجوزي من الحنابلة والرافعي من الشافعية, ومن المعاصرين الشيخ عبدالله آل محمود والشيخ مصطفى الزرقاء وشيخنا الشيخ صالح البليهي وطائفة من أهل العلم, وقواه الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله.
واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا بالليل وأي ساعة من النهار شاؤوا, قال ابن قدامة في الكافي: وكل ذي عذر من مرض أو خوف على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا ؛لأنهم في معناهم.
وبما رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه, فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: أذبح ولا حرج, فجاء آخر فقال:لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولاحرج, فما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قُدِّم ولا أخِّر إلاقال: افعل ولا حرج.
ومن أدلتهم عدم وجود دليل صريح في النهي عن الرمي قبل الزوال: لا من الكتاب ولامن السنّة ولا من الإجماع ولا من القياس .
وأما رمي الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الزوال فهو بمثابة وقوفه بعرفة بعد الزوال إلى الغروب, ومن المعلوم أن الوقوف لا ينتهي بذلك الحد, بل الليل كله وقت وقوف أيضاً, ولو كان الرمي قبل الزوال منهياً عنه لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً شافياً صريحاً حينما أجاب السائل الذي سأله عن رميه بعد ما أمسى, وتأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز.
ومن الأدلة قوله تعالى:{وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ }البقرة203, والرمي من الذكر, كما صحّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( إنما جُعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله), فجعل اليوم كله محلاً للذكر ومنه الرمي, وهذا يشبه أن يكون كالنص في المسائلة عند التأمل, وبه استدل الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله وغيره.
وكذلك قول ابن عمر رضي الله عنه في رواية البخاري وغيره لمن سأله عن وقت الرمي: (إذا رمى إمامك فارْم), ولو كان المتعين عنده الرمي بعد الزوال لبيَّنه للسائل).
هذا ما ذكره الكاتب في هذا القول المرجوح في المسألة والاستدلال له, وأما قول الجمهور وهو الصواب فهو الموافق لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه الكرام رضي الله عنه, ودليل فعله صلى الله عليه وسلم حديث جابر رضي الله عنه قال: (رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى, وأما بعد فإذا زالت الشمس) رواه مسلم (3141), ودليل فعل أصحابه رضي الله عنهم قول عبدالله بن عمر: (كنا نتحيّن,فإذا زالت الشمس رمينا) رواه البخاري (1746), قال الترمذي بعد حديث جابر(894): (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم أنه لايرمى بعد يوم النحر إلا بعد الزوال), وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يحصل منه الرمي إلا بعد الزوال في أيام التشريق الثلاثة حتى يوم التأخر مع قوله صلى الله عليه وسلم: ( لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لاأحج بعد حجتي هذه) رواه مسلم (3137)عن جابر, يدل على صحة قول الجمهور, ولو كان الرمي قبل الزوال سائغاً لفعله الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم واحد من هذه الأيام الثلاثة ليدل على الجواز.
وقول الكاتب عن القول المرجوح: ( وهو منقول عن ابن عباس ) لم يَعزُه إلى مصدر, وهو في مصنف أبي شيبة (14778) من رواية جريج عن أبي مليكة بالعنعنة وهو مدلس , فهو من هذا الطريق غير ثابت.
والقول الآخر لعطاء بن أبي رباح رواه ابن أبي شيبة عنه في المصنف(14782) بإسناد صحيح عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: ( لا تُرمى الجمرة حتى تزول الشمس, فعاودته في ذلك فقال ذلك), فقوله الموافق للدليل أولى من غيره.
أوَّلها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه في الترخيص بالرمي للرعاة أي ساعة من النهار شاؤوا, قال في الحاشية: ( أخرجه الدار قطني (2/276), وفي إسناده ضعف, وله شواهد عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنه لا تخلو من ضعف).
أقول : وإذاً فلا حجة في هذا الحديث, والضعف الذي في إسناده عند الدار قطني في ثلاثة من رجال الإسناد.
وثانيها: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه في وقوفه صلى الله عليه وسلم بمنى للناس يسألونه, وأنه ماسُئل عن شيء قِّدم ولا أُخِّر إلا قال: ( افعل ولا حرج ).
وجوابه أن الأسئلة التي سُئل عنها وأجاب بأنه لا حرج تتعلق بأعمال يوم النحر, وسبب تلك الأسئلة أنه حصل من بعض الصحابة فعل بعضها على خلاف ترتيبه صلى الله عليه وسلم لها, فأجاب بأنه لاحرج, وأما الرمي في أيام التشريق فلا علاقة له بهذا الحديث, بل إن فعله صلى الله عليه وسلم الرمي فيها بعد الزوال في ثلاثة أيام متوالية مع قوله صلى الله عليه وسلم: ( لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ), وكذا فِعل أصحابه من بعده كما تقدّم دال على تعيّن الرمي بعد الزوال.
وثالثها: أنه لا يوجد دليل صريح في النهي عن الرمي قبل الزوال, وأنه لو كان الرمي قبل الزوال منهياً عنه لبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً شافياً صريحاً حينما أجاب السائل الذي سأله عن رميه بعدما أمسى, وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وجوابه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن ذلك بفعله المتكرّر في ثلاثة أيام مع أمره بأخذ المناسك عنه فتعيَّن المصير إليه, وأما قوله: إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز, فالبيان الذي حصل منه صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا حرج) كان في أعمال بوم النحر ولم يأت وقت الحاجة للرمي في أيام التشريق, فليس فيه تأخيرُ للبيان عن وقت الحاجة.
ورابعها: قوله عز وجل : {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ }, والرمي من الذكر كما صحّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( إنما جُعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله), فجعل اليوم كله محلاً للذكر ومنه الرمي.
وجوابه أن الذكر في الآية ومنه الرمي مجمل, وقد بيَّنته السنّة بفعله صلى الله عليه وسلم المتكرر في أيام التشريق, وهو الرمي بعد الزوال.
وخامسها: قول ابن عمر رضي الله عنه في رواية البخاري وغيره لمن سأله عن وقت الرمي: (إذا رمى إمامك فارم), ولو كان المتعين عنده الرمي بعد الزوال لبيَّنه للسائل.
وجوابه أن الأثر لا يدل على الرمي قبل الزوال, ولعل مراد ابن عمر برمي الأمير أمير الحج الرمي بعد الزوال وأن هذه عادة الأمراء, ولهذا جاء عقب الأثر في صحيح البخاري (1746) أن السائل أعاد عليه, فقال ابن عمر رضي الله عنه: ( كنا نتحيَّن, فإذا زالت الشمس رمينا), ويدل على أن المتعين عند ابن عمر الرمي بعد الزوال مارواه مالك في الموطأ (1/284) عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يقول: ( لا تُرمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس).
والذي حمل الكاتب على الاهتمام بهذا القول المرجوح الذي لم يكن موافقاً لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه رضي الله عنهم ما يحصل من أضرار في بعض الأوقات عند رمي الجمار بسبب الزحام, وليس الحل لهذه المشكلة بالتأكيد على أن هذا القول المرجوح, وإنما الحل يكون بالأعمال الإنشائية التي يحصل بوجودها رمي الجمار دون حصول أضرار, وهو ما وفق الله له خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله, وهو البدء بعد حج عام 1426هـ بإقامة جسور واسعة متكررة فوق الجمرات, حصلت الاستفادة بالجسر الأول منها في حج عام 1427هـ مع تنظيم الذهاب إليها والإياب منها, ولم يحصل زحام يُذكر, فكيف إذا كمل بناء الجسور؟!
زعمه جواز الرمي عن النساء
الخامس عشر: قال الكاتب (ص:95): ( للضعفة والنساء أن يوكلوا غيرهم في الرمي,ولاحرج؛ ففي الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجاً ومعنا النساء والصبيان, فأحرمنا عن الصبيان) رواه سعيد بن منصور في سننه, ورواه ابن ماجه وغيره بلفظ: ( فلبَّينا عن الصبيان ورمينا عنهم), ورواه الترمذي بلفظ: (فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان), قال ابن المنذر رحمه الله: كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي, كان ابن عمر يفعل ذلك, وبه قال عطاء والزهري ومالك والشافعي واسحاق).
وأقول: الأحاديث التي استدل بها الكاتب على الرمي عن الضعفة والنساء جاء فيها الرمي عن الصبيان دون تعرض لغيرهم, وحديث جابر رضي الله عنه عند الترمذي (927) وابن ماجه (3038) في الرمي عن الصبيان في إسنادهما راوٍ ضعيف وآخر مدلس روى بالعنعنة, وليس فيهما دليل على الرمي عن النساء, بل إن في الحديث عند الترمذي التلبية عن النساء, وهو مع ضعف إسناده منكر, وقد حكى الترمذي عقب الحديث الإجماع على خلافه, فقال: (وقد أجمع أهل العلم على أن المرأة لا يلبي عنها غيرها, بل هي تلبي عن نفسها, ويكره لها رفع الصوت بالتلبية), والعمدة في الرمي عن الصبيان الإجماع, قال ابن المنذر في الإجماع (ص:66): (( وأجمعوا على أن الصبي الذي لايطيق الرمي أنه يُرمى عنه), ويلتحق بالصبيان من عجز عن الرمي لمرض أو هرم سواء كان رجلاً أو امرأة, وكذا المرأة الحامل؛ لأنهم في حكم الصبيان في عدم القدرة على الرمي؛ وقد قال الله عز وجل {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}, وأما من كان قادراً على الرمي فإنه لا ينيب غيره سواء في ذلك الذكر والأنثى, فتجويز الكاتب الرمي عن النساء مطلقاً من عجائبه وغرائبه.
زعمه أن من لم يجد مبيتاً بمنى يبيت حيث شاء
السادس عشر: قال الكاتب (ص:98): ( ومن الرخصة ما يتعلق بالمبيت بمنى, وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنه, وكان جماعة من فقهاء الصحابة يرون وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق على من قدر على ذلك ووجد مكاناً يليق بمثله,وهو قول الجمهور, لكن دلت الأدلة على سقوط المبيت عمن لم يجد مكاناً يليق به وليس عليه شيء , وله أن يبيت حيث شاء في مكة أو المزدلفة أو العزيزية أو غيرها, ولايلزمه المبيت حيث انتهت الخيام بمنى ).
وأقول: هذا ما ذكره الكاتب فيمن لم يجد مكاناً بمنى للمبيت ليالي التشريق, وأما اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله, فقد جاء في مجموع فتاواها (11/266): ( أماكن الحج وأزمنته محددة من الشارع, وليس فيها مجال للاجتهاد, وقد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وقال فيها: ( خذوا عني مناسككم؛ فلعلي لاألقاكم بعد عامي هذا), وبيَّن فيها الأزمنة والأمكنة, وحدود منى من وادي محسِّر إلى جمرة العقبة, فعلى من حج أن يلتمس مكاناً له داخل حدود منى, فإن تعذر عليه حصول المكان نزل في أقرب مكان يلي منى ولاشيء عليه), وفي فتوى اللجنة الدائمة الاحتياط في العبادة والبعد عن الترفه ومشابهة الحجاج بعضهم بعضاً في النزول في مشعر منى وما اتصل به وقرب منه, وهذا بخلاف ما قاله الكاتب؛ فإن فيه تمكين بعض الحجاج من الترفه والنزول في أرقى الفنادق بمكة, مع أنه قال في (ص:63): ( من مقاصد الحج العظيمة أن يتربى الناس على ترك الترفه والتوسع في المباحات!).
توهينه الأخذ بأثر ابن عباس في الدماء
السابع عشر:قال الكاتب (ص:101): ( ومن التيسير عدم إرهاق الحجيج بكثرة الدماء؛ فإن الفتوى أحياناً تُلزم الحاج بدم كلما ترك واجباً , بناء على أثر ابن عباس رضي الله عنه: (من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً), وهو أثر صحيح ولكنه فتوى واجتهاد, وقد كان كثير من السلف لا يُلزمون به, ولكنهم يراعون حال السائل من الغنى والفقر وغير ذلك, وقد أسقط الشارع بعض الواجبات, كطواف الوداع عن الحائض والمبيت بمنى عن الرعاة ومن في حكمهم إلى غير بدل, ولم يلزمهم بشيء , وهذا ثابت معروف في السنّة, بينما في فعل المحظور ورد حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في الإذن بحلق الرأس مع الفدية, ولم يثبت في السنّة المرفوعة خبر في إيجاب الدم لترك الواجب, ويمكن أن يراعى في هذا أحوال الناس!).
وأقول: إيجاب الدم على من ترك واجباً في الحج أو العمرة قول جمهور العلماء, ومستندهم في ذلك قول ابن عباس رضي الله عنه: (من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً) رواه مالك في الموطأ(1/419) بإسناد صحيح, قال ابن رشد في بداية المجتهد (1/324) بعد ذكر المواقيت: (وجمهور العلماء على أن من يخطئ هذه وقصدُه الإحرام فلم يحرم إلا بعدها أن عليه دما), وقال ابن قدامة في المغني (5/73): ( وإذا أحرم من دون الميقات عند خوف الفوات فعليه دم, لا نعلم فيه خلافاً عند من أوجب الإحرام من الميقات).
وفي قول الكاتب عن أثر ابن عباس: ( وهو أثرصحيح, ولكنه فتوى واجتهاد) توهين الأخذ بهذا الأثر, وقد قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (4/148) في تعظيم فتاوى الصحابة رضي الله عنهم) فتلك الفتوى التي لم يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه:
أحدها: أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم .
الثاني: أن يكون سمعها ممن سعها منه.
الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهما خفي علينا.
الرابع: أن يكون قد اتفق عليها مَلَؤهم ولم يُنقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.
الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل, فيكون فهم ما لا نفهمه نحن, وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب إتباعها.
السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في فهمه, والمراد غير فهمه, وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة, ومعلوم قطعاً أن وقوع احتمالٍ من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين, هذا ما لايشك فيه عاقل, وذلك يفيد ظناً غالباً قوياً على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال مَن بعده, وليس المطلوب إلا الظن الغالب, والعمل به متعين).
ثم ذكر الفرق بين الصحابة الذين شغلُهم الشاغل عِلمُ الكتاب والسنّة وفهمُ معانيهما, وبين غيرهم ممن له اشتغال بهما وبغيرهما, ومما قاله في ذلك (4/149): ( فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس, فإذا جاء إلى كلام الله ورسوله جاء بفكرة كالَّة فأعطي بحسب ذلك), وقوله (4/150): (فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا وما شاركناهم فيه, فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو مَن قلَّدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟! ومن حدَّث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم, والله المستعان).
وقال أيضاً (4/152): ( قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنّة, وقف حيث وقف القوم, واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم, وقلْ بما قالوا, وكُفِّ عما كفوا, ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم؛ فإنهم لم يُدَّخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم, وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم له وبعثه فيهم, ووصفهم فقال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}الآية).
الرجوع في الفتوى إلى المحققين من أهل العلم دون غيرهم من المتسرعين