غالباً ما يتم الخلط بين جانبين في اقتصاد منطقة اليورو. الجانب الأول، الأداء الشامل. والثاني، الانحرافات التي يمكن أن توجد في أي وقت ضمن منطقة العملة الموحدة. مثلا، ربما يكون الاقتصاد الإسباني على وشك السقوط من فوق صخرة عالية، غير أن ذلك الاقتصاد لا يمثل سوى 11.8 من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو. وإذا نظرت إلى منطقة اليورو من ارتفاع شاهق، فإن انهيار الاقتصاد الإسباني يمكن أن يكون أقرب إلى حريق إقليمي بسيط.
اقتصاد منطقة اليورو ككل في حالة جيدة. وتشير المؤشرات الأخيرة إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي، لكن ليس إلى ركود. ومن المحتمل أن يكون البنك المركزي الأوروبي متفائلاً للغاية في ظل عدم أخذ توقعاته بالحسبان الأثر الكامل لخطورة التراجع الاقتصادي الأمريكي. لكن هناك بعض أسباب هذا التحوط الحريص. فمعظم منطقة اليورو لا تواجه مشكلات فيما يتعلق بأسعار المنازل، كما أن ميزانيات الشركات والأشخاص بحالة جيدة، بينما تستمر زيادة الائتمان للقطاع الخاص بمعدلات من خانتين عشريتين. ولا يحدث ذلك حين تكون على وشك مواجهة حالة من التضخم العكسي.
لكن ماذا بشأن الانحراف بين دول منطقة اليورو؟ لقد صدمتني الإحصاءات الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي التي تظهر أن إسبانيا تفقد قدرتها التنافسية، مقارنة بألمانيا، حتى في هذا الوقت. وكنا نعرف أن ذلك حدث خلال سنوات النمو المرتفع في إسبانيا، والنمو المتدني في ألمانيا. لكن هذا الاتجاه استمر حتى حين كانت الأوضاع النسبية للبلدين تعكس اتجاهها. وأحد تفسيرات ذلك يتمثل في أن الأجور في إسبانيا مرتبطة بالتضخم بصورة مباشرة، في حين أن الأجور في ألمانيا ما زالت تتراجع.
الأمر الأسوأ من ذلك هو أن الانزلاق الإسباني يأتي وسط توقعات تراجع حاد في اقتصادها. وكان انهيار شركة التطوير العقاري الكبرى، ماتينيزا – فاديسا، الأسبوع الماضي بمثابة تذكير، إذا كانت هناك حاجة إلى أي تذكير بالحجم الضخم لانهيار القطاع العقاري الإسباني. وأصبحت حالات عجز مالي واقتصادي خطيرة من الأمور المقلقة. ولا يغرنّك أن البنوك الإسبانية لا تواجه انكشافاً فعلياً أمام أزمة الرهن العقاري الأمريكي، فحدوث انكشاف أمام الرهن العقاري الإسباني يمكن أن يكون أسوأ من ذلك.
إن إسبانيا في وضع أشد حرجاً من الولايات المتحدة، أو المملكة المتحدة، لأنها بصفتها عضواً في اتحاد نقدي، لديها عدد أقل من أدوات التعديل على مستوى الاقتصاد الكلي. وانخفض كل من الدولار والاسترليني من حيث القيمة الحقيقية، بينما لدى إسبانيا واحدة من أقوى العملات في العالم. وارتفعت معدلات أسعار الفائدة في إسبانيا، بينما تراجعت في الولايات المتحدة.
أما الأخبار الجيدة، فهي أن إسبانيا لا يزال أمامها بعض المجال للمناورة على صعيد السياسة المالية في ظل انخفاض نسبة ديونها إلى ناتجها المحلي الإجمالي. غير أن النظام الهيكلي والقانوني الشامل لمنطقة اليورو يتطلب ضمن أي تعديل، أن يتم معظم الرفع الثقيل بواسطة الاقتصاد الحقيقي. وهكذا تواجه إسبانيا خطر دخول عقد من الأحوال البائسة مع تراجع في الأجور الحقيقية.
المشكلة هي أنه حتى إذا كانت إسبانيا ستحاول إخراج نفسها من هذا الوضع من خلال التعديل التنافسي، فليس من الواضح تماماً إن ذلك يمكن أن ينجح. ولست متأكداً أنه على درجة عالية من النجاح في ألمانيا على المدى الطويل، لكن تلك قصة أخرى. وربما تكون هناك حاجة إلى بعض التعديل التنافسي. لكن في ظل الحجم الضخم للصدمة في إسبانيا، سيكون من المؤكد تقريباً أن تتطلب استجابة على مستوى الاقتصاد الكلي لا تستطيع إسبانيا توفيرها في الوقت الراهن بمفردها.
غير أن نظام الحكم والإدارة الاقتصادية في منطقة اليورو ليس مصمماً لإنتاج هذا النوع من الاستجابة، إذ لا توجد برامج تحويل دوري، بل أموال هيكلية. وليست هناك قواعد مشتركة لعمليات إنقاذ البنوك. ويرفض أصحاب العقول الضيقة من منظمي النشاطات المصرفية الوطنيين إقرار الحاجة الواضحة لدى المنظم الوطني للبنوك العابرة للحدود. كما أن منطقة اليورو ليس لديها تمثيل موحد في صندوق النقد الدولي. والصدمات الاقتصادية التي ستشهدها إسبانيا وإيرلندا ستكون اختباراً حاداً لأسلوب عدم رؤية شر، أو عدم سماع شر، فيما يتعلق بالإدارة الاقتصادية الرشيدة.
كنت أعتقد منذ فترة طويلة أن الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تغيير النظام الحالي لا تتم عبر النقاش حول الاحتمالات المستقبلية، لكن نتيجة كونك منغمساً في أزمة. ووزراء مالية منطقة اليورو الذين يطلق عليهم مجموعة اليورو، هم عبارة عن عصبة من الراضين عن أنفسهم. وهم لا يفعلون شيئاً حتى يكون الأمر ضرورياً للغاية، لكنهم سيتصرفون في النهاية. وأنا متفائل نسبياً بأن نكون قادرين على الدوام على تجنب أسوأ سيناريو، وهو الذي لا يزال يثير بعض المعلقين، ويتمثل في انهيار منطقة اليورو.
فما هي إذن الإجراءات اللازمة؟ هناك حاجة في الأجل القصير للغاية إلى آلية تحويل لتقديم المساعدة إلى البلدان التي تعاني من أوضاع اقتصادية سيئة. وطبيعي أنه لا بد من أن تأتي كل التحويلات متوافقة مع شروط صندوق النقد الدولي. وكثمن لزيادة التعاضد داخل منطقة اليورو، فإن الدول الأعضاء الأخرى ستطالب بصورة شبه مؤكدة بأن تنهي الأطراف المستفيدة السياسات السخيفة التي أوصلتها إلى الفوضى في المقام الأول. وعلى إسبانيا، مثلا، أن تنهي الربط الأوتوماتيكي بين التضخم والأجور. وعليها كذلك إنهاء احتكار معدل الرهن لشهر واحد بين البنوك الذي أدى إلى تأثير داعم للدورات الاقتصادية على الإقراض الرهني، والسوق الإسكانية.
المؤسسة الوحيدة التي لا تستطيع مساعدة إسبانيا هي البنك المركزي الأوروبي، لأن دوره هو إدارة سياسة مثالية لمنطقة اليورو ككل. والتعامل مع هذه الصدمة الضخمة على صعيد النظام الشامل هي مشكلة تتعلق أساساً بالسياسيين، وليس بمحافظي البنوك المركزية. وعلى أي جهات تدعي الجدية في التعاون على صعيد السياسة الاقتصادية، مثل الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، أو اللجنة البرلمانية الأوروبية للشؤون الاقتصادية والمالية، أن توقف انتقاداتها الشديدة للبنك المركزي الأوروبي لأشهر قليلة، وأن تركز الانتباه على العاصفة التي تتشكل على الجبهة الغربية لمنطقة اليورو.
التقرير اليومي للأسواق العالمية FINANCIAL TIMES
هبوط أسعار النفط يبقي الأسهم في المنطقة الموجبة
ساعدت المكاسب الجديدة في أسهم الشركات المالية والهبوط المبكر في سعر النفط، أسواق الأسهم الأوروبية والدولار على التقدم إلى الأمام يوم الأربعاء، رغم أن الاندفاع الأخير لحي وول ستريت أظهر علامات على أنه أخذ يفقد زخمه بالتدريج.
تعرضت أسعار النفط الخام لضغط شديد في أعقاب ظهور المزيد من الأدلة على أن الطلب على الوقود في الولايات المتحدة يمر بحالة هبوط. وبحلول منتصف اليوم في نيويورك تعافت أسعار العقود الآجلة في مطلع الشهر على خام غرب تكساس المتوسط بحيث جرى تداولها بسعر يقل 42 سنتاً فقط عن 128 دولاراً للبرميل، أي أن السعر أصبح الآن أقل بمقدار 19 دولاراً عن أعلى رقم قياسي سجله يوم 11 تموز (يوليو). ارتفعت مخزونات البنزين لدى أكبر مستهلك للطاقة في العالم بمقدار 2.9 مليون برميل في الأسبوع الماضي، وهو مقدار أعلى بكثير من الرقم الذي كان متوقعاً. وعمل هذا التراكم في الاحتياطي على التقليل من أهمية الهبوط الكبير غير المتوقع في مخزونات الخام.
قال إيد مورس، كبير اقتصاديي الطاقة لدى بنك ليمان براذرز Lehman Brothers: "عملت الأسعار المرتفعة والنمو الاقتصادي المتباطئ على دفع الطلب على النفط في الولايات المتحدة إلى الأدنى".
وقال: "إن صورة الطلب المتدهور تعزز اعتقادنا أن أسعار النفط تقترب من نقطة الانقلاب، حيث يتوقع أن يصل متوسط الأسعار إلى 110 دولارات للبرميل في الربع الرابع من عام 2008، وحدوث المزيد من الهبوط إلى سعر معقول مقدور عليه نسبياً وهو 90 دولاراً للبرميل بحلول الربع الأول من عام 2009".
يذكر أن الهبوط المبكر لأسعار النفط جرجر معه أسعار السلع الأخرى إلى الأدنى في أعقاب هبوط النفط. فالذهب، الذي يُنظَر إليه تقليدياً على أنه تحوط ضد التضخم، هبط إلى مستوى متدن للغاية هو 922.80 دولار للأونصة، وهو أدنى سعر يسجله منذ أسبوعين.
في أسواق العملات، سجل الدولار أعلى مستوى له خلال شهر في مقابل الين، حيث وصل سعره إلى حافة 108 ينات للدولار، في حين أن اليورو انخفض إلى أدنى مستوى له خلال أسبوعين، حيث وصل إلى رقم يقل قليلاً عن 1.57 دولار.
قال ستيف مايلون، وهو محلل استراتيجي للعملات لدى بنك سكوشيا كابيتال Scotia Capital: "في رأينا أن الدولار سيظل مدعوماً بصورة معقولة على المدى القريب. وحيث إن أسهم الشركات المالية تدفع بالأسهم إلى الأعلى رغم أخبار الأرباح المخيبة للآمال أمس، إلا أنه يبدو وكأن السوق تتبنى من جديد وجهة النظر القائلة إن من الأفضل أن تقوم البنوك بتخفيض قيمة موجوداتها في الفترة الحالية، لأن ذلك يعني أن تخفيض قيمة الموجودات في المستقبل سيكون أدنى من ذي قبل".
والواقع أن أسهم الشركات المالية من جديد تتصدر الارتفاع في أسواق الأسهم وسط شعور بالتفاؤل بأن الكونجرس الأمريكي سيوافق على خطة إنقاذ لوكالتي القروض السكنية فاني ماي وفريدي ماك، اللتين تعانيان أوضاعا في غاية السوء، كجزء من صفقة تهدف إلى التصدي للهبوط الحاد في سوق الإسكان الأمريكية.
تصدرت أسهم "فاني ماي" و"فريدي ماك" القطاع المالي الأمريكي في التوجه إلى الأعلى، وبحلول منتصف اليوم في نيويورك ارتفع مؤشر كيه بي دبليو KBW البنكي بمقدار 1.2 في المائة، في الوقت الذي ارتفع فيه مؤشر ستاندارد آند بورز 500 بمقدار 0.3 في المائة، ومؤشر ناسداك بمقدار 0.7 في المائة.
في أوروبا ارتفع مؤشر فاينانشيال تايمز يوروفيرست 300 بمقدار 2.1 في المائة، وهي أعلى زيادة له خلال يوم واحد منذ أربعة أشهر.
تسلقت الأسواق الآسيوية إلى أرقام عالية لم تسجلها منذ عدة أسابيع، حيث ارتفع مؤشر نيكاي 225 في طوكيو بمقدار 1 في المائة، ومؤشر هونج كونج ارتفع بمقدار 2.7 في المائة، ومؤشر تايبيه ارتفع بمقدار 3.5 في المائة.
قفز مؤشر مومباي بمقدار 5.9 في المائة، وبذلك يصبح مجموع مكاسبه خلال الجلسات الخمس السابقة 18.8 في المائة، بعد أن فازت الحكومة الهندية الائتلافية بتصويت مهم جداً على الثقة.
أكد أندرو جارثوايت، وهو محلل استراتيجي للاقتصاد العالمي لدى بنك كريدي سويس Credit Suisse، أن أسواق الأسهم تشهد الآن اندفاعاً يميز الأسواق ذات الأسعار المتراجعة ولا يشكل بداية اندفاع نحو الأسعار المرتفعة والأوضاع الطيبة.
وقال: "كان متوسط السوق في الأسعار المتراجعة خلال الكساد الاقتصادي هو 28 في المائة على مدى 13 شهراً، وفي الوقت الراهن فإن الولايات المتحدة تشهد تراجعاً في الأسعار بنسبة 17 في المائة على مدى تسعة أشهر. وكان متوسط اندفاع السوق في الأسعار المتراجعة هو 15 في المائة خلال 51 يوماً، وعلى هذا الأساس فإننا قطعنا نحو نصف الطريق خلال هذا الاندفاع". ولكنه حذر من أن أسواق الأسهم لم تشهد الاستسلام والهبوط على المستوى الذي شهدته في شهري كانون الثاني (يناير) وآذار (مارس)، وبالتالي فإن الاندفاع الحالي يمكن أن يقصر عن الرقم المتوسط.
تقلصت الفروق في أسعار السندات على جانبي الأطلسي، حيث هبط مؤشر آي تراكس أوروبا للسندات الممتازة بمقدار 4.5 نقطة أساس عند 90.5 في المائة، وهبط المؤشر المقابل له في الولايات المتحدة، وهو مؤشر سي دي إكس نورث أمريكا، بمقدار نقطتي أساس ليصل إلى 132 نقطة أساس.
عملت النغمة المتحسنة في أسواق الأسهم والائتمان على دفع المستثمرين للهروب من أمان السندات الحكومية. ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل سنتين بمقدار خمس نقاط ليصل إلى 2.77 في المائة، في حين أن العائد على السندات لأجل عشر سنوات ارتفع بمقدار أربع نقاط أساس ليصل إلى 4.14 في المائة.
في أوروبا، وصل العائد على سندات الحكومة الألمانية لأجل عشر سنوات إلى 4.7 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ عام، قبل أن يتراجع عند مستوى 4.64 في المائة. ولم يكن هناك أثر يذكر للبيانات حول تراجع الطلبات الصناعية في منطقة اليورو وتراجع الطلب على مزادات الأوراق المالية الألمانية لأجل 30 سنة.
كان أداء سندات الخزانة البريطانية متدنياً بعد أن اعتبر المستثمرون أن هناك نغمة متشددة في محاضر اجتماع لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي البريطاني، الذي عقد في تموز (يوليو). وارتفع العائد على سندات الخزانة البريطانية لأجل سنتين بمقدار أربع نقاط أساس ليصل إلى 5.09 في المائة.