استراتيجيات الاستثمار للصناديق السيادية في دول الخليج
تتنوع استراتيجيات استثمار الثروات في الصناديق السيادية بين البلدان. فعلى سبيل المثال 50 في المائة من صناديق الهيئة العامة للاستثمار أبو ظبي, وصناديق الهيئة العامة للاستثمار الكويت, استثمرت في أسواق الأسهم المحلية. وفيما يخص السعودية فإن استراتيجية مؤسسة النقد العربي السعودي وصندوق المعاشات التقاعدية تمثل تحديداً في الاستثمارات ذات الدخل الثابت والمخاطرة المعدومة والإيراد المنخفض جداً، والتي تمثل نسبة 55 في المائة من مواردها. وتولي الصناديق السيادية الأخرى في المنطقة، مثل دبي الدولية لرأس المال، مبادلة، الهيئة العامة للاستثمار في قطر عناية بالغة بالاستثمار في الأسهم الخاصة في حين صندوق " استثمار" جزء من "دبي للاستثمار"، التي تولي اهتماماً بالممتلكات العقارية.
والسؤال يقول:ما مدى فعالية استراتيجيات هذه الاستثمارات؟ باستثناء الاستثمارات في الأسهم الخاصة من قبل دبي للاستثمار، ومبادلة, والهيئة العامة للاستثمار في قطر، والاستثمارات الأخرى التي من المحتمل أن تجلب عائدات منخفضة لا تضيف كثيرا إلى نمو الإنتاجية بين دول مجلس التعاون الخليجي.
فعلى سبيل المثال، تراوح معدلات عوائد الاستثمارات ذات الدخل الثابت التي تمثل استراتيجية مؤسسة النقد العربي السعودي بين 2 و3 في المائة، أي أقل بكثير من سعر الفائدة المحققة بين البنوك السعودية Sibor. ومع الوضع الحالي فإن معدل التضخم في السعودية يزيد على ضعف الرقم المشار إليه، والاستثمارات ذات الدخل الثابت من شأنها أن تفرز معدلات سلبية في العائدات لمؤسسة النقد العربي السعودي لتصبح استراتيجية جيدة يجب أن تسعى الهيئة المالية الحكومية إلى البحث عن فرص استثمار بديلة توفر عائدات أعلى من Sibor مضافة إليه نسبة تضخم لا تقل عن 7 في المائة لضمان النمو الاقتصادي المستدام والتنمية بالنسبة إلى السعودية. وفي حالة الاستثمار في الأسهم بما فيها الأسهم المالية وغيرها كما هو الحال للهيئة العامة للاستثمار أبو ظبي، والهيئة العامة للاستثمار الكويت، غالبا ما تؤدي هذه الاستثمارات إلى اتخاذ تصرف مضاربة مصحوب بنتائج سلبية على أسواق المال بشكل خاص والاقتصاد بشكل عام.
أما بالنسبة إلى الاستثمار في العقار (شركة دبي للاستثمار)، فيميل إلى إنتاج معدلات عالية من العائدات ولكن هذه الاستثمارات نادرا ما تقدم مساهمات كبيرة في القطاع الإنتاجي للاقتصاد. علاوة على ذلك فإن أنواع الوظائف التي نشأت من جانب الاستثمار في العقارات في كثير من الأحيان كانت لمصلحة العمال الأجانب بدلا من المواطنين المحليين، عوضاً عن رفع معدلات التضخم بصورة مرتفعة جداً ما يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية والاقتصادية.
إلا أن الصناديق السيادية في المنطقة بدأت أخيرا تفهم أسباب قصور استراتيجيات الاستثمار في الماضي, ويتم حالياً إعادة تركيز اهتمامها على استراتيجيات الاستثمار البديلة, ولا سيما الاستثمار في البنية التحتية، خاصة في منطقة الخليج التي لا تدر عائدات عالية فحسب ولكنها تضع الأساس للبنية التحتية لنمو اقتصادي مستدام واللازم لبناء القدرة الاستيعابية وإيجاد فرص العمل وزيادة الإنتاجية وتنويع الهياكل الاقتصادية في المنطقة. فعلى سبيل المثال أثبتت بحوث بنك ماكواري أن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية غير المسجلة في أسواق البورصة الأسترالية وذلك بين منتصف التسعينيات والسنوات الأولى من الألفية الجديدة يفوق في أدائه جميع فئات الأصول الأخرى. ويتبين أن معدل العائدات على البنية التحتية تبلغ 20 في المائة بينما قياس مخاطر الانحراف المعياري للعائدات يقل عن 8 في المائة. هذا النوع من الأصول الذي ينبغي للصناديق السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي الاتجاه إليه لإعادة تركيز استراتيجياتها في المنطقة، وبالتالي الحصول على القيمة الحقيقية للأموال مع خلق قيمة عالية مضافة لاقتصاداتها. والحال بالنسبة لاستخدام الصناديق السيادية لتنويع اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي سيناقش في جزء لاحق من هذه النشرة.
الأزمة المالية الأخيرة في الغرب، تبعتها أزمة الرهن العقاري والتدهور في قيمة الدولار الأمريكي، أدت إلى إعادة توجيه استراتيجيات الاستثمار للصناديق السيادية في بلدان مجلس التعاون الخليجي. من ناحية أخرى لم يحل ذلك دون مزيد من الاستثمارات في الشركات الغربية، ما بين آذار (مارس) 2007 ونيسان (أبريل) 2008، فإن الصناديق السيادية ضخت ما لا يقل عن 45 مليار دولار في تمويل المؤسسات المالية الغربية، مع العلم أن الجزء الأكبر يعود إلى دول مجلس التعاون الخليجي.
سبب آخر يدور حول ضرورة إعادة التفكير في استراتيجيات الاستثمار للصناديق السيادية هو الانتقادات نحو شفافية الصناديق واعتبارها ميناء المصالح السياسية. ووفقا لمؤشرات استراتيجية الاستثمار والشفافية التي نشرها معهد الصناديق السيادية، تقع دول مجلس التعاون الخليجي في مرتبة منخفضة إلى حد كبير في مؤشر الشفافية, ويميل أكثر نحو النطاق الاستراتيجي بدلا من المؤشر السلبي لاستراتيجية الاستثمار. في المقابل نجد أن الصناديق السيادية النرويجية التي تقوم أيضاً على عائدات النفط اكتسبت أعلى درجة من الشفافية رغم استراتيجية الاستثمار السلبي, إذ لم تسجل نشاطا كبيرا. هذا النوع من التحليلات البسيطة أدى إلى وقائع تحليلات أخرى تنادي بمحاكاة النموذج النرويجي وصياغة إطار تنظيمي للصناديق السيادية قد لا يؤدي إلا إلى ما يتوجه إليه معهد الصناديق السيادية. نحو ما سجلته تعاملات غير منصفة للصناديق السيادية بوجه خاص, فمثل هذا الإطار التنظيمي وخلافه من المظلات وصناديق الاستثمار خاصّة مع تلك الانتقادات للدوافع السياسية بدلا من وضع الاعتبارات الاقتصادية. ينبغي أن تعزز الصناديق السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي عزمها نحو إعادة التفكير في استراتيجياتها الاستثمارية عن طريق استكشاف فرص الاستثمار المربحة البديلة في المنطقة وغيرها من الاقتصادات الناشئة.